يرى فريق التحرير في هورن ريفيو أن اندلاع حرب جديدة بين إثيوبيا وإريتريا لن يكون تكرارًا لحرب عام 1998، رغم تشابه الجغرافيا وبقاء كثير من المظالم التاريخية. فقد تغيرت البيئة الاستراتيجية في القرن الأفريقي بصورة عميقة، مع استمرار الحرب في السودان، وتصاعد التنافس على البحر الأحمر، وتداخل المصالح الخليجية، وتصاعد الخلاف المصري الإثيوبي حول نهر النيل، إلى جانب اتساع حضور القوى الخارجية في المنطقة.

 

والأهم أن إريتريا لن تواجه إثيوبيا بمعزل عن محيطها، إذ قد تتقاطع مصالح أسمرة مع عناصر من جبهة تحرير شعب تيغراي، وفاعلين مسلحين في السودان، ودول خارجية تسعى إلى الحد من تنامي النفوذ الإثيوبي.


لا تتمثل المسألة الأساسية، من المنظور الاستراتيجي الإثيوبي، في قدرة أديس أبابا على هزيمة إريتريا في حرب تقليدية، بل في طبيعة التداعيات التي قد تترتب على صراع طويل، ومدى قدرة إريتريا على تحمّل مواجهة دولة تفوقها كثيرًا من حيث السكان والاقتصاد والعمق الاستراتيجي.

 

فعدد سكان إثيوبيا يتجاوز سكان إريتريا بأكثر من ثلاثين ضعفًا، بينما تبدو الفجوة أكبر في القدرات الاقتصادية والعسكرية. ولا تحسم هذه الفوارق الحروب بمفردها، لكنها تصبح أكثر أهمية كلما تحولت المواجهة من حملة قصيرة إلى حرب استنزاف.


حرب القرن الحادي والعشرين لن تُحسم بالجنود وحدهم


تختلف الحرب الحديثة بصورة جوهرية عن حرب 1998–2000. فالصراعات الطويلة لا تعتمد على القوة البشرية والشجاعة فقط، بل تستهلك الوقود والذخائر الدقيقة والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي ووسائل الاتصال والنقل والاستخبارات والذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية والعملات الأجنبية والمدخلات الصناعية. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت أهمية البنية الاقتصادية القادرة على تمويل العمليات وإعادة بناء القدرات العسكرية.


تمنح المسارات الاقتصادية الإثيوبية الحالية، رغم نقاط ضعفها، أديس أبابا قدرة أكبر على إعادة الإمداد والتكيف مقارنة بالاقتصاد الإريتري شديد المركزية والمعزول نسبيًا. لكن ذلك لا يعني أن إثيوبيا ينبغي أن تسعى إلى الحرب. على العكس، تكمن مصلحتها في منع المواجهة العسكرية من التحول إلى وسيلة لمعالجة قضايا سياسية واستراتيجية تحتاج في الأساس إلى التفاوض.


ولا تسعى إثيوبيا، وفق التحليل، إلى إسقاط الدولة الإريترية، بل إلى منع أسمرة من امتلاك حق تعطيل سيادتها أو نظامها السياسي أو مصالحها البحرية أو تطورها الاقتصادي والإقليمي.


ويحتل الوصول إلى البحر موقعًا محوريًا في هذه المعادلة. فكون إثيوبيا دولة حبيسة لم يعد مجرد مشكلة اقتصادية، بل تحول إلى متغير استراتيجي. وقد مر نحو 90% من تجارتها الخارجية تاريخيًا عبر جيبوتي، ما خلق اعتمادًا شديدًا على ممر بحري واحد. لذلك تسعى أديس أبابا إلى تنويع خياراتها عبر بربرة وغيرها من المسارات.


وتمنح سيطرة إريتريا على ميناءي عصب ومصوع الساحل الإريتري أهمية استراتيجية هائلة. وتنظر أسمرة إلى ساحلها باعتباره حاجزًا أمام الطموحات الإثيوبية، بينما ترى أديس أبابا أن حرمانها من خيارات بحرية متعددة يمثل قيدًا هيكليًا على أمنها وتنميتها.


لكن المفارقة تكمن في أن محاولات خنق الطموح البحري الإثيوبي قد تؤدي إلى نتيجة عكسية. فكلما شعرت إثيوبيا بأن دولة مجاورة تستطيع استخدام موقعها الجغرافي لمنعها من الوصول إلى البحر، ازدادت دوافعها لبناء مجموعة متنوعة من الخيارات البحرية، بدل الاعتماد على منفذ واحد.


ولهذا لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت إثيوبيا تريد عصب، بل يتعلق بقدرتها على بناء بيئة استراتيجية لا تستطيع فيها أي دولة مجاورة تحويل الموقع الجغرافي الإثيوبي إلى قيد دائم على الأمن والتنمية الوطنية.


تيجراي يتحول إلى نقطة ارتكاز في الصراع الإقليمي


تتمثل المفارقة الثانية في إقليم تيجراي. فقد تغير المشهد في شمال إثيوبيا بصورة كبيرة منذ حرب تيجراي التي اندلعت عام 2020، ولم تعد الحدود الإثيوبية الإريترية مجرد مسألة ثنائية بين أديس أبابا وأسمرة. بل أصبح ملف تيجراي متغيرًا داخليًا رئيسيًا يمكن للقوى الخارجية استخدامه للتأثير في البيئة الأمنية شمال إثيوبيا.


وتكتسب التقارب المحتمل بين إريتريا وبعض العناصر المتشددة داخل جبهة تحرير شعب تيغراي أهمية خاصة، رغم أن وصفه بأنه تحالف دائم سيكون تبسيطًا مخلًا. فقد قاتلت القوات الإريترية إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية ضد الجبهة خلال حرب 2020–2022، قبل أن تتدهور العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا عقب الحرب واتفاق بريتوريا.


وفي مايو 2026، أعادت جبهة تحرير شعب تيغراي هيكلها السياسي الإقليمي السابق للحرب بقيادة ديبريتسيون غبريمايكل، ما كشف هشاشة التسوية التي أعقبت الحرب.


وتكمن خطورة الوضع في إمكانية تحول تيجراي إلى ساحة حرب بالوكالة. فقد ترى إريتريا في قوة تيجرية قادرة على الضغط على أديس أبابا أداة مفيدة، لكن وجود كيان تيجراي قوي ومستقل جنوب حدودها قد لا يخدم مصالحها على المدى الطويل. وفي المقابل، قد تنظر قيادة تيجراي إلى أي دعم إريتري أو خارجي باعتباره وسيلة لاستعادة نفوذها السياسي داخل إثيوبيا، من دون أن يعني ذلك تطابق مصالحها مع أسمرة.


ولهذا، فإن العلاقات بين الأطراف المتنافسة قد تكون تكتيكية وقابلة للتغير، وهو ما يمنح أديس أبابا فرصة لتفكيك شبكة المصالح المتقاطعة بدل التعامل معها باعتبارها جبهة موحدة ضد الدولة الإثيوبية.


وتقول أديس أبابا إن إريتريا ارتكبت اعتداءات عسكرية واحتلت أراضي إثيوبية ودعمت جماعات مسلحة داخل البلاد. وفي فبراير 2026، طالب وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس بانسحاب القوات الإريترية من الأراضي الإثيوبية ووقف دعم الجماعات المسلحة، مع تأكيد استعداد بلاده للحوار بشأن القضايا البحرية، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى ميناء عصب.


ويمنح هذا الموقف إثيوبيا أفضلية دبلوماسية مهمة، لأنه يقدم الصراع باعتباره قضية سيادة وعدم تدخل وأمن إقليمي، وليس محاولة للاستيلاء على الأراضي الإريترية.


وتبرز هنا أهمية الحرب على الرواية السياسية أيضًا. فكل طرف يسعى إلى تحميل الآخر مسؤولية التصعيد، بينما تحاول أديس أبابا تأكيد أنها لا تطالب بتغيير الحدود، وإنما بحقوقها السيادية والوصول المتنوع إلى البحر ووقف دعم الجماعات المسلحة عبر الحدود.


مصر والسودان والخليج.. شبكة مصالح لا تحالف موحد


لا يمكن تحليل هذه المعادلة من دون النظر إلى مصر والسودان ودول الخليج. فالقاهرة لا تنظر إلى إثيوبيا من زاوية سد النهضة ونهر النيل فقط، بل تضع أيضًا البحر الأحمر وموقعها الاستراتيجي في شمال شرق أفريقيا ضمن حساباتها.


وافتتحت إثيوبيا سد النهضة في سبتمبر 2025، بينما واصلت مصر اعتبار سيطرة أديس أبابا على مياه النيل الأزرق مسألة أمن قومي. وفي الوقت نفسه، عززت القاهرة علاقاتها مع دول تحيط بإثيوبيا، من بينها السودان وإريتريا والصومال، إلى جانب علاقات بدرجات مختلفة مع جيبوتي.


لكن تحليل المشهد باعتباره مؤامرة مصرية واحدة ضد إثيوبيا سيكون مضللًا. فلكل طرف مصالحه الخاصة. تسعى إريتريا إلى منع تحول إثيوبيا إلى قوة إقليمية مهيمنة، بينما تبحث عناصر داخل جبهة تحرير شعب تيجراي عن استعادة نفوذها السياسي والاقتصادي. أما المؤسسة العسكرية السودانية فلها حساباتها الأمنية والإقليمية، في حين تتنافس دول الخليج على الموانئ وطرق التجارة والموارد الزراعية وبنية الأمن في البحر الأحمر.


لذلك تبدو المنطقة أقرب إلى شبكة من المصالح المتقاربة مؤقتًا منها إلى تحالف موحد. وتكمن المعضلة الإثيوبية في منع هذا التقارب المؤقت من التحول إلى ائتلاف استراتيجي دائم.


وقد يتحول السودان إلى محور إضافي للضغط على إثيوبيا. فالحرب السودانية أعادت تشكيل البيئة الأمنية على الحدود الغربية لإثيوبيا، بينما حافظت إريتريا على دعمها للقوات المسلحة السودانية. وفي حال امتدت تداعيات الصراع السوداني إلى شمال إثيوبيا، فقد تواجه أديس أبابا ضغطًا من أكثر من اتجاه.


ولا تحتاج الحروب بالوكالة إلى تدخل عسكري مباشر حتى تكون مؤثرة. فقد يكون توفير الأسلحة والتمويل والمعلومات الاستخباراتية والممرات الآمنة والدعم السياسي والشبكات التجارية أكثر تأثيرًا من إرسال قوات نظامية. ولذلك يمثل تداخل الحدود الإريترية والتيجرية والسودانية تحديًا أمنيًا أكثر تعقيدًا من حرب تقليدية على الحدود.


مستقبل إريتريا بين الحرب والاندماج الاقتصادي


قد تدفع حرب جديدة إريتريا إلى مواجهة مشكلة أعمق من الخسائر العسكرية، وهي قدرتها الديموغرافية والاقتصادية على تحمل صراع طويل.

 

فقد أدى نظام الخدمة الوطنية الممتدة والعسكرة المستمرة إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية وهجرة متواصلة. ومن شأن حرب جديدة أن تضاعف هذه الضغوط، إذ ستحتاج الدولة إلى مزيد من التعبئة، ما قد يؤدي إلى مزيد من الهجرة وتراجع القاعدة البشرية المتاحة، وبالتالي زيادة الضغط على من يبقون داخل البلاد.


ولا يعني ذلك أن انهيار إريتريا بات وشيكًا، لكنه يشير إلى ضيق هامش المناورة أمامها في حرب طويلة.

 

وفي المقابل، لا ترى إثيوبيا أن انهيار إريتريا يخدم مصالحها. فالدولة الإريترية المنهارة قد تنتج موجات لجوء وانتشارًا للأسلحة وصعود جماعات مسلحة وتدخلات خارجية جديدة واضطرابًا في الملاحة بالبحر الأحمر. لذلك فإن النتيجة المثالية لأديس أبابا ليست تدمير إريتريا، بل دفعها نحو الاعتدال الاستراتيجي.


وقد يشكل دمج الموانئ الإريترية في الاقتصاد الإثيوبي فرصة لتحويل الساحل الإريتري من مصدر للتوتر إلى أصل اقتصادي. فإريتريا المستقرة التي تستفيد من النمو الاقتصادي الإثيوبي قد تخدم مصالح الطرفين بصورة أفضل بكثير من إريتريا مدمرة تتحول إلى ساحة جديدة للصراعات بالوكالة.

 

وينطبق الأمر نفسه على تيجراي. فاستقرار الإقليم لا يمثل هدفًا إنسانيًا فقط، بل ضرورة للأمن القومي الإثيوبي. وكل نزاع سياسي غير محسوم يفتح المجال أمام القوى الخارجية للتدخل، وكل فصيل مسلح خارج تسوية سياسية مستقرة يمكن أن يتحول إلى بوابة للسلاح والتمويل والدعم الاستخباراتي.


وعلى المستوى الدولي، قد تكون حرب إثيوبيا وإريتريا كارثية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا أيضًا، لأنها ستزيد اضطراب البحر الأحمر، وقد تؤدي إلى تفاقم الحرب في السودان، وتخلق موجات نزوح جديدة، وتعقد جهود مكافحة الإرهاب وتهدد واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم.


ولهذا تحاول إثيوبيا تقديم قضية الوصول إلى البحر باعتبارها قضية اقتصادية ودبلوماسية وليست مشروعًا عسكريًا. ويمنحها ذلك مساحة أكبر للحفاظ على علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية، مع التأكيد على السيادة وحقها في تنويع منافذها البحرية.


في النهاية، قد لا يكون الخطر الأكبر على إريتريا هو خسارة حرب عسكرية، بل فقدان الأهمية الاستراتيجية. فقد تدخل أسمرة حربًا جديدة وهي تعتقد أنها تدافع عن النظام الإقليمي الذي حافظ على استقلالها، لكنها قد تكتشف أن الحرب سرعت تنويع إثيوبيا لمنافذها البحرية، وعززت شراكاتها الأمنية، ورسخت مسألة الوصول إلى البحر داخل استراتيجيتها الوطنية، وأضعفت شبكة القوى التي تسعى إلى احتواء نفوذها.


أما إثيوبيا، فستواجه خيارًا مختلفًا: بناء قوة ردع قادرة على منع الحرب، مع الحفاظ على قنوات التفاوض، وتثبيت الوضع في تيغراي، وتنويع العلاقات مع الخليج والقوى الدولية، وتعزيز قدرتها على مواجهة الحروب بالوكالة.


وهكذا لا تكمن المعادلة الحقيقية في سؤال من سيفوز إذا اندلعت الحرب، بل في سؤال أعمق: هل تستطيع إثيوبيا منع خصومها من تحويل نقاط ضعفها الداخلية وموقعها الجغرافي إلى منظومة احتواء إقليمية دائمة؟


وفقًا لتحليل هورن ريفيو، تكمن الاستراتيجية الإثيوبية المثلى في تحقيق الحرية الاستراتيجية: دولة قادرة على حماية أراضيها، وتنويع وصولها إلى البحر، ومواصلة تنميتها الاقتصادية، وإدارة سياستها الخارجية بصورة مستقلة، من دون منح أي دولة مجاورة أو تحالف من القوى الخارجية حق تعطيل خياراتها.


وفي المقابل، قد تواجه إريتريا خيارًا مصيريًا بين البقاء دولة حدودية عسكرية تعتمد أهميتها على ضعف إثيوبيا، أو التحول إلى دولة ساحلية ذات سيادة تستفيد اقتصاديًا من صعود جارتها الكبرى.


ولهذا، فإن الحرب المقبلة، إذا اندلعت، قد لا تكون أخطر حرب تخوضها إريتريا بسبب احتمال خسارتها عسكريًا، بل لأنها قد تغير ميزان القوى في القرن الأفريقي بصورة دائمة ضد مصالح أسمرة.

 

https://hornreview.org/2026/08/13/what-another-war-against-ethiopia-could-mean-for-eritreas-future/